Saturday, June 18, 2011

وكان القمر مكتملاً

نشرت في ملحق النهار
 
 
تقول أم كلثوم:
"هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا"
ويقول عمر الخيّام:
"إنّما الجنّة و الّنار في ذات نفسك" –
الربط ما بين مجازين جميلين
مجازٌ أيضاً.

*

الآن
فرحٌ كثيرٌ
كما في "أغداً ألقاك"
حزنٌ كثيرٌ
كما في "الأطلال".

*

كم جميلٌ أن ننسى كلَّ شيء فجأةً
أن يصبح دماغ كلًّ منّا خالياً تماماً
كأنّنا طفلان ولدا توّاً..
كم جميلٌ، بعد منتصف الّليل،
أن نغنّي معاً كصديقين.

*

لم أخبرك من قبل
أنّ أجمل الأشياء التي قد تحدث لي
أن تهمس شعر محمود درويش في أذني
ونحن نغفو.

*

رأيت محمود درويش ثلاث مرّات في حياتي
وكان قلبي في كلّ مرّة
يخفق بشدّة
كما لو أنّي واقعة في الحبّ.

*

أفتقد محمود درويش،
ليس بالمعنى المجازيّ
بل بالمعنى الحقيقيّ..
لكن ذلك لا يعني أن لا أكتب مجازاً عنه.

*

جميلٌ أيضاً
أن تضع رأسك بين كفّيك و أنت تفكّر –
لسببٍ ما، تصبح المشاهد سينمائيّة أكثر
بعد منتصف الّليل.

*

أجمل ما في الشّعر
أنّك تستطيع أن تكذب بسهولةٍ
مثل أن تقول: "منتصف الّليل"
مع أنّ الوقت ظهرٌ
ولن يكون في مقدور أحد أن يثبت أنّك تكذب.

*

قد أكون كذبت في المجاز الأخير.

*

لسببٍ ما، المجاز حين يكون في الرّأس يكون أجمل
لذلك نشعر أنّ المجازات التي خطرت لنا ذات مرّة ثمّ نسيناها
هي أجمل المجازات.

*

كانت أشبه بحلمٍ جميلٍ تلك اللّيلة
حين استمعت إلى سيمون شاهين وريما خشيش
معاً في عرضٍ حيّ في مسقط –
أذكر جيّداً أنّ القمر
في تلك اللّيلة
كان مكتملاً.

*

ربّما ما أحتاجه فقط
عشاءٌ على ضوء الشّموع.

*

أفكّر:
كيف تتقلّص السّعادة فجأةً
لتصبح في غاية البساطة
كعشاءٍ على ضوء الشّموع.

*

أفكّر أيضاً:
كيف الحزن يكبر ويصبح ثقيلاً
كعشاءٍ عائلي على ضوء الشموع
تحت قصفٍ اسرائيلي في أحد بيوت غزّة.

*


محزنةٌ الحروب
التي تنهي حياة الكثيرين
وتصبح، بعد مرور بضع سنوات،
مجرّد حدثٍ يُذكر في حديثٍ عابرٍ.

*

النسيان يحدث حين الحاضر يحكم قبضته على عنق الماضي.

*

قد تكتب مجازاً
وتنسى حين تقرأه لاحقاً ما قصدته حين كتبته
لكنك قد تنسى أيضاً
أنّك نسيت.

*

منغمسَيْن في قراءة "جداريّة" محمود درويش
طلع الصّباح من دون أن ننتبه.

*

وجب التوضيح:
ليس دائماً الشّيطان ثالثهما.

*

لاحظت الآن
أنّه منذ زمنٍ طويل
لم تمرّ ساعة
من دون أن أتفقّد السّاعة.

*

فقط لو أنّ "إسرائيل"
كلمة عابرة
في حديثٍ عابر.

*

منذ فترةٍ طويلةٍ
لم أتأمّل الألوان جيّداً
ولم أفكّر في اختلاف وقعها عليّ بحسب اختلاف الّلون
منذ فترةٍ طويلةٍ
وكلّ الألوان
لونٌ واحد.

*

لأسبابٍ قصصيّة ربّما
كلمة "سِحر"
يصبح لها وقعٌ سحريٌّ أكثر
في الّليل.

*

هل يحقّ للشّاعر رفع المفعول به ونصب الفاعل
من منطلق أنّه يحقّ له ما لا يحق لغيره
حتّى وإن كان "غيره"
مدقّقاً لغويّاً.

*

أكره اسرائيل
أكثر من كرهي للعقارب والصراصير والفئران
والقطط – ولا أستطيع أن أصف لكم مدى كرهي للقطط –
أكثر من الذباب على وجبة طعام
والبعوض في ليلةٍ صيفيّة
و"الأم أربع وأربعين" في حذاء
والسّحليّات أعلى السّقف في ليلة أرق
والعناكب – ومن لا يكره العناكب –
وأكثر من الجراد الّذي سمعت مؤخّراً أنّه يؤكل مقليّاً أو مشويّاً في مدنٍ كثيرة.

*

أتذكّر فجأة السّنفور الّذي كان يقول دوماً:
"أنا أكره كلّ شيء".

*

على سيرة السّنافر،
ثمّة تشابه بين اللغة الخطابيّة للقذّافي واللغة الخطابيّة لشرشبيل:
"سأقضي عليكم ولو كان هذا آخر عملٍ في حياتي".

*

اعتراف شخصيّ قد أندم عليه غداً:
أعتقد أنّي كنت، في صغري،
واقعة في حبّ الكابتن ماجد.

*

كم أفتقد ذاك الوقت
الّذي كانت فيه أكبر همومي
أن أحفظ عن غيب
أسباب الحرب العالميّة الأولى.

*

تُرى كيف كانت حال العالم لتكون الآن
لو لم يُغتل ولي عهد النّمسا؟

Tuesday, April 19, 2011

قلب كرقعة شطرنج

مجموعة قصائد نشرت في ملحق النهار
 
 
 
ذهولٌ أقلّ

لا بدّ من ذهولٍ أقلّ عند نهاية الأشياء. لا بدّ من ذهولٍ أقلّ. حين الصداقات تخفت تدريجياً، كما لو مياهٌ أخذت تتدفّق فجأةً لتفصل ضفّتين، لتصنع نهراً بارداً بينهما. حين الحبّ يتحوّل من نسمةٍ إلى رياحٍ عاصفة، من دفءٍ إلى قيظٍ شديد. حين الموت يأخذ قريباً ما، فجأةً، خاطفاً إياه من دون أن يطلب فديةً، رافضاً كل مساومات الألم، متجاهلاً مفاوضات الدموع. حين نغادر أمكنةً، موجِّهين أنظارنا إلى الخلف لوقتٍ طويل، بحنينٍ يجعلها، كلّما ابتعدنا، أقرب من ذي قبل. لا بدّ من حزنٍ أقلّ. الصداقات التي تبهت فجأةً. الأسماء التي لم تعد تظهر على الشاشة. الأبواب التي لم تعد تُطرَق. الحبّ الذي لم يبق منه سوى ذكرى تحفّزها أغنية في سيّارةٍ عابرة في الطريق. الموت الذي يأتي ويذهب على غفلة، أسرع من أن تلتقطه عين، أسرع من أن تشكوه شفاهٌ إلى السماء. الأمكنة التي نحدّق في تفاصيلها ونحن على بعد أميالٍ منها. الوجوه التي نأتي بها إلى أحلامنا كلّ ليلة، كأننا عصافير لا تريد أن تغادر أقفاصها ذات الأبواب المفتوحة.

ميتات كثيرة
(إلى جدتي)


خمس سنوات مرّت وما زلتُ، مناماً تلو آخر، أرى وجهها يتلاشى أمامي خلف ضباب الموت. أراه يختفي، كلّ مرة، كما لو أنه لم يختفِ من قبل. كما لو أنه يختفي إلى الأبد. لا يحزنني أنني أخوض الألم نفسه، بقلبٍ ملتئم، مرة تلو أخرى، بقدر ما يؤلمني ذاك الحزن الذي يبدو كلّ مرة أوضح في ملامحها وهي تخوض، بسببي، الكثير من الميتات.

سقوط

لكنّ تعليمات السلامة التي تردّدونها في كل رحلة لا تعنيني. تلك التي تردّدونها، بكلّ جدية، كما لو أنها الرحلة الأولى. كما لو أنها الرحلة الأخيرة. لا أبالي بها بتاتاً. لأن روحي سقطت منذ وقتٍ طويل. سقطت في تلك الرحلة حين غادرت بيروت للمرة الأولى. سقطت بدون أن تجد سترة نجاة أو قناع أوكيسجين... روحي، التي لا تزال آخذة في السقوط حتى الآن.

حياة كشريطٍ مصوّر

كثيراً ما تمرّ حياتي بكاملها أمامي. تمرّ كشريطٍ مصوّر. كفيلمٍ وثائقي لمخرج رديء. أرى سنواتها قليلة أحياناً. أقلّ بكثير من عدد حبّات المنوّم التي وجدت طريقها إلى حلقي. أراها كثيرة أحياناً أخرى. أكثر بكثير من الأمنيات التي تمكنتُ من تحقيقها. أرى أحلاماً أخذت تتسرّب منها شيئاً فشيئاً، كما يتسرّب المطر من صدعٍ في الحائط، غير تاركٍ سوى رائحة عفنة وبقع سوداء تلطّخ البياض. أرى الاحتمالات البديلة لأحداث أخذتني في طرقٍ لم أمتلك خريطةً لها. أرى الاحتمالات الصحيحة لأخطاء أسقطتني في أودية معتمة، لم أمتلك نوراً لاجتيازها. أرى أوقاتاً ظننتها سيئة حينذاك. وأخرى ظننتها رائعة في ذلك الحين. أرى أوقاتاً كانت سيئة حقّاً. أرى أشخاصاً ظننتهم يبقون. أرى ليالي ظننتها لن تمرّ. وأيّاماً ثقيلةً ظننتها لن تمضي. أرى عناقات، كنت لأجعلها أقوى لو علمت أنها عناقات وداع. ووجوهاً، لحدّقت فيها أكثر لو عرفت أني أراها للمرّة الأخيرة. أرى من الحبّ ما يكفي ليوقف حرباً، ومن الألم ما يكفي ليبدأ أخرى. أرى من الندم ما يكفي لأستحقّ فرصاً ثانيةً.
كثيراً ما تمرّ حياتي أمامي. كمشهدٍ مبتذل يجسّد اللحظات الأخيرة قبل موت أحدٍ ما في فيلمٍ أميركيّ.

أن تقع في الحبّ

أن تقع في الحبّ يعني أن ترى هالة ضوئيّة تحيط بالآخر. ضوءٌ ساطعٌ الى درجة يجعل ما هو سيّئ مقبولاً، وما هو مقبول جميلاً، وما هو جميل جميلاً جدّاً. أن تقع في الحب يعني أن تجد، بسهولة، أعذاراً لأخطاء الآخر، يعني أن ترى أحياناً زهرةً في غابة من الأشواك، يعني أن ترى فراشة في حقل من الأفاعي. أن تقع في الحبّ يعني أن تعطي كثيراً، أن تتبرّع بكامل ثروتك من المشاعر، من قلبٍ جيوبه لا تفرغ أبداً. أن تقع في الحبّ يعني أن تتألّم مراراً، يعني أن تكون اليد نفسها التي تلكمك في قلبك هي اليد التي تمنحك مسكّنات الألم. يعني أن تجد نفسك في زنزانة، سجّانها يسكن في رأسك، ومفتاحها لا يمكن العثور عليه. أن تقع في الحبّ يعني أن تعيش في عالمٍ افتراضي، تقسم للجميع بأنه موجود، لكن لا أحد يراه غيرك. أن تقع في الحبّ يعني أن تقع في الأخطاء نفسها مرة تلو أخرى، يعني أن تتعثّر بالحجر نفسه مرة تلو أخرى، عاجزاً عن إزاحته من طريقك. أن تقع في الحبّ يعني أن يصبح قلبك رقعة شطرنج. حركة صغيرة تعطيك الكثير من الأمل، حركة تليها تأخذ منك كلّ شيء. يعني أن يصبح قلبك قطعة نقدية تُرمى في الهواء في كلّ لحظة وأنت تراقبها عاجزاً. تراقبها مذهولاً بعينيك المأخوذتين بهالةٍ ضوئية شديدة السطوع.

هل تدرك نفسها جيّداً؟

ترى هل تدرك نفسها جيّداً هذي الجبال؟ هل تعرف أشجارها واحدةً واحدة؟ هل تمضي عصر يومٍ ما وهي تتذكّر كيف نمت كلّ واحدةٍ منها؟ هل تشعر بكلّ نسمة هواء تحرّك حصاها؟ هل تدرك أنّ ما يدغدغها مرور الثعابين بين أعشابها؟ هل تعرف أن ما تسمعه طنين نحل يحوم حول زهورها؟ هل تعرف زهورها وتشعر بها وهي تتفتّح ورقةً ورقة؟ هل تغفو ليلاً أم أن عويل الذئاب على قممها دليلٌ على أرقها الدائم؟ ترى هل تدرك نفسها جيّداً هذي الجبال، التي بكلّ ما تحفل به من حيوات، تغدو، للحظات، محض لمحةٍ لفتاة تعبر الشارع الرئيسيّ للمدينة، وتفكّر كيف أنها، ربّما مثلها، تشعر بكلّ ما يحدث في داخلها لكنها لا تدرك نفسها جيّداً.