Saturday, September 05, 2015

سجنٌ انفرادي


(إلى م. ر.)

نافذة واحدة
لا تكفي
لأتنفّس عميقاً
كما بوذا

ولا تكفي
هذه الشمس القليلة
ساعة في اليوم
لأشعر بالدفء

لا تكفي هذه الحيطان
لأحفر فيها ما أريد قوله

ولا يكفي طعام
يمرّ من فتحة ضيّقة في الباب
لأشعر أنّي على قيد الحياة

الكابوس حقيقي
وطويل
وكئيب
وليست تكفي
هذه القطعة الصغيرة
من السماء

أفتقد حياتي
كتبي
موسيقاي
شموعي
وحدتي الإختيارية

أفتقد الإنتظار السخيف
لامرأةٍ لن تأتي

أفتقد الملل العاديّ

أفتقد طعام أمّي
نظرات والدي الغاضبة
شجاري مع أخوتي
لأسخف الأسباب

أفتقد نفسي
الّتي لن تعود..
نفسي التي سجنوها
في هذه الزنزانة
إلى الأبد


Saturday, January 03, 2015

عظام


في نهاية الأمر
كلّنا سنصبح عظاماً:
وجوهنا ستفقد تعابيرها
أيدينا ستفقد قبضاتها
ظهورنا
لن تسندنا بعد ذلك..
سنشبه بعضنا البعض:
هياكل لا ملامح لها

ذات يوم
سيموت كلّ كائنٍ حيّ
وتعيش الأرض
وحدها
من دوننا
بصمتٍ وسلام..
بينما تتحلّل عظامنا
ببطء
إلى أن نصبح كأنّنا لم نكن..

Monday, June 30, 2014

ألم

الموسيقى
لا تجدي نفعًا..
الألم أقوى
والحبّ يبدو عاجزًا كذلك:
في لحظات الألم الشّديد
لا أحد يشعر بك
إلّا أنت..
ولا يجدي أيضًا أن تحلم بكونٍ موازٍ
لا وجود للألم فيه
(حيث إلهٌ أكثر تسامحًا من إلهنا)
ولا ينفعك أن تتوسّل الطّبيعة لكي تكون أكثر رفقًا بك..
الألم موجودٌ في كلّ مكان
وغير محدود
يعرفنا كلّنا واحدًا واحدًا..
يعرف تفاصيل أجسادنا أكثر منّا..
يتحكّم بوقتنا كما يشاء
يوقف حياتنا حين يريد
الألم
كأنّه إلهنا الحقيقيّ
والوحيد

Wednesday, February 12, 2014

الغربة الأحلى

ثلاث قصائد نشرت في شباب السفير


الغربة الأحلى

(إلى جهاد بزّي)

تقصد إذن
أنّ الغربة الأحلى
هي الغربة الأصعب..
وهي الغربة الأجدد فقط..
فالوقت
كفيلٌ بأن نتعوّد على الغربة
لينتفي معناها:
التعوّد عدوّ الإغتراب..
وأنا الغربة أصبحت لي عادةً
كقهوتي الصباحية..
كالموسيقى
ترافقني في السّيارة إلى العمل
كانعدام الدّهشة في المدينة
الّتي لم تعد جديدة
كالروتين الّذي لا يكسره
فرحٌ أو حزن

الغربة هي الوحدة
والوحدة هي الغربة..
علّمني، إن كنت تعرف،
التفرقة بينهما..
وقل لي أيّهما أحلى:
أن نتعوّد على الوحدة
ونقلع عن القصائد؟
أم أن نعيش اغتراباً دائماً
ونملأ العالم بالشّعر الحزين؟


***


سيناريو متكرر

يومي
سيناريو متكرّر
والحياة تمضي
والفيلم يستمرّ..
عابقاً بالرّتابة
غارقاً في الرّوتين..
وأنا بطلة الفيلم
أراقب الأرض من زاويةٍ آمنةٍ
وأوهم نفسي أنّ الشّر الكثير
المنتشر في العالم
من صنع رأسي أنا فقط..
أغلق باب الغرفة على نفسي
وأستمع إلى الموسيقى
كأنّ الكون على ما يرام..
أتلصّص على العالم
من شاشةٍ صغيرةٍ
وأوهم نفسي أنّ جميع الأشخاص
وهميّون..
يومي سيناريو متكرّر
في غرفةٍ آمنة..
والعالم في الخارج
مجنونٌ إلى حدّ لا يصدّق..
ولذلك من الأفضل لي
كبطلة الفيلم
أن أدّعي أنّ العالم
ليس له وجود..
وأنّي خلقته
بنفسي
من فرط الملل

***


  
يا جدّتي

أين يدك
تبارك رأسي
هذا الصّباح المعتم؟
أين صوتك
يردّد الأدعية والآيات
الّتي تشفي كلّ آلامي؟

ثماني سنوات مرّت
على رحيلك..
ثماني سنوات:
عمر عينيّ من دون أن تراكِ
عمر قلبي من دون أدعيتك
عمر أحزاني
الّتي لا سبيل إلى شفائها من بعدِك..

يا جدّتي
كنت أؤمن باللّه
إذ كنت أراه من خلال عينيكِ..
لم أكن أبحث عنه في السّماء
لأنه كان يسكن قلبك..

يوم رحلتِ يا جدّتي
شعرت أنّي فقدت الّله إلى الأبد..

ثماني سنوات:
عمر موت الّله في قلبي
يا جدّتي

Friday, January 31, 2014

مالطا – أيار 2012


سائحون كثر
نأخذ جولة حول تاريخ الحروب في المدينة..

كم أغبياء نحن البشر
نصنع حروب اليوم
من أجل سوّاح المستقبل

Saturday, December 21, 2013

إلى ليا في عامها الثاني



عامان لا يكفيان
لنتأكد من لون عينيك النهائي
وملامح وجهك
وشكل ابتسامتك:
كل منّا يبحث فيك
عن نفسه..
نتنافس على درجات التشابه
بيننا وبينك..
نتأمّل تدويرة الوجه
وتفاصيل العينين
وصدى الضحكة
في انتظار أن تكبري لكي تقرّري
انحيازك الحاسم..

*

عامان لا يكفيان لنحدّد
ما تحبّين وما لا تحبّين:
نراقب أثر السّعادة في وجهك
حين الموسيقى في الرّاديو..
نراقب حركة يدك
حين نعطيك ريشة
لتملئي فراغاً أبيض
بألوان العالم
كما تراه عيناك:
نبحث فيك عن كلّ ما افتقدناه
في أنفسنا

*

عامان لا يكفيان
لنخبرك كم نحبّك..
لا يكفيان لكي تدركي
أنّنا نتشبّث بضحكتك
لنشعر أنّ العالم
ليس بائساً إلى ذاك الحد
أنّنا نتشبّث بحلمنا فيك
لنستطيع أن ننهض في الصّباح
نحو يومٍ جديد

Tuesday, October 15, 2013

فلسطين


نحن الّلاجئين الّذين لم نرَك..
ندرسك في كتب التاريخ
ونبحث عنك في خارطات العالم القديمة..
نعلّقك خريطة في سلسلة ذهبية
في أعناقنا..
نسمعك
في أغاني التّراث القديمة..
ونكتب قصائد
حزينة عنكِ وعنّا..
ننصت جيّداً إلى قصص أجدادنا
محاولين أن نتخيّل الأماكن كما يصفونها:
ننتمي إلى صورةٍ متخيّلةٍ عنك

نحن الّلاجئين
غريبون في كلّ مكان
إسمك
يتكرّر أمامنا في نشرات الأخبار
قريباً منّا،
غريباً عنّا..
يتكرّر في قصص الأجانب السّواح
الّذين يعرفونك
أكثر منّا..
نسأل عنك العابرين
بلهفة ولدٍ يبحث عن أمّه
الّتي أضاعته في صغره..

في قلوبنا حنينٌ
لا تشفيه مدن العالم..
طفولتنا الّتي لم نعشها فيكِ
طفولة ناقصة..
أحزاننا تمتدّ مثل حلمنا فيكِ:
من البحر إلى النهر

نحن الّلاجئين
نحفظ قصص أجدادنا جيّداً
لنرويها لأحفادنا
ولا نملّ من الإنتظار

Wednesday, August 14, 2013

كوكبٌ منسيّ

نشرت في شباب السفير
  
الآلهة انصرفت إلى أكوان أخرى
وتركتنا وحدنا..
أغلقت أبواب كوننا علينا
ورحلت
نحو أماكن بعيدة..
ولذلك مهما بحثنا
لا نجدها..
ومهما صرخنا
لا تسمعنا..
ومهما تلونا من الأدعية،
تستمرّ أحداث حياتنا
بعشوائيّتها..

الأرض سجنٌ كبير
والسّجان لا يأبه بنا..
فلا نملك إلّا أن نمضي الوقت
في حربٍ مع أنفسنا
لكي لا يقتلنا الملل..
لا نملك إلّا أن نطرق الأبواب
ليلاً نهاراً
لعلّ أحداً ما يأتي لإنقاذنا..






لا-إنتظار

نشرت في شباب السفير


أقرّر أن أحيا من دون انتظارٍ
لا قبل الحياة
ولا بعدها –
أستمع إلى الموسيقى
دون انتظار انتهائها،
الموسيقى طيلة الوقت في يومي
كما السّماء طيلة الوقت
خارج النافذة..
أقرأ الكتب
من دون أن أنظر إلى أرقام صفحاتها
لا أبالي متى تنتهي..
أقول لكم وداعاً كلّ مرّة
من دون أن أنظر إلى تاريخ اليوم
لكي ألتقيكم حين ألتقيكم
كأنّي لم أغادركم..
أغفو كلّ ليلةٍ
حين أغفو
من دون أن أعرف كم السّاعة
أو في أيّ يومٍ من أيّ عامٍ نحن..
ومن حينٍ إلى آخر
أفكّر بالموت
وأعجز عن تصوّر ذلك حقّاً
فأقرّر أن أحيا من دون انتظارٍ
لا قبل الحياة ولا بعدها

Tuesday, August 06, 2013

عن نهاية العالم مرّة أخرى

نشرت في مجلة فلسطين الشباب


ربّما يكون هاتفي مغلقاً
وأكون في نومٍ عميق
حين ينتهي العالم..
ربّما يحاول الأصدقاء الإتّصال مرّة أو مرّتين
قبل أن تنقطع الإتّصالات في كلّ الأرض..
ربّما لا أحظى بمكالمةٍ أخيرةٍ
ولا برسالة وداعٍ
ولا بعناقٍ
يخفّف عبء انهيار المكان والزمان في آنٍ معاً
ربّما لا أحظى بلحظاتٍ أخيرةٍ من الذّكريات:
لا يمرّ شريط حياتي أمامي
ولا أرى ضوءاً في نهاية النفق..
ربّما فقط أستمرّ في نومٍ عميق
أحلم
إلى ما لا نهاية..

ربّما لن أعرف
أبداً
أنّ العالم قد انتهى

Sunday, July 07, 2013

ما يبقى بعد الموت


ما يبقى بعد الموت

الكتاب الذي أقرأه الآن مثلاً، ربّما يحملونه إلى مكتبةٍ ما. ربّما لا يقرأه أحد. ربّما يقرأه كثيرون. رغم ذلك، أحدٌ لن يعرف عند أيّ كلمةٍ خفق قلبي ذات يوم. الشارع الذي مررتُ به ألف مرّة أو أكثر، سيبقى هو الآخر. غير أنّ خطوات الآخرين، في غضون ساعات، سوف تمحو خطواتي. السماء التي نظرتُ إليها في أيّام الضيق سوف تبقى، غير أنها، بين العيون الكثيرة التي تحدّق فيها، سوف لن تتذكّر نظراتي. المدن التي لم أزرها، لن تبالي برحيلي. المدن التي عشت فيها، سوف تكون مشغولة بملايين البشر الآخرين ولن تلاحظ غيابي. إسمي المنحوت على الضريح، سوف يبقى لوقتٍ لا بأس به، غير أنّه، من على بعد أمتار، يبقى مجرّد إسم آخر بين زملائه، الأسماء المنحوتة على الأضرحة المجاورة.

جسدي لن يبقى. هذا مؤكد. 

روحي، لا أعرف.



***



التواريخ



في المدرسة، كان علينا أن نكتب تاريخ اليوم في أعلى الصفحة في دفتر كلّ مادّة، وعند كتابة الفروض المدرسيّة، وفي أوراق

 الإمتحانات. كنت أنسى أحياناً في أيّ يومٍ نحن، فأسأل من حولي. لكنّي حتّى وإن دوّنته بسرعةٍ، فإنّ يدي كانت تسعى لأن تخطّه بوضوحٍ شديد لضرورة ذلك. كان ذلك منذ حوالى عشر سنين. بعد ذلك، أصبحت التواريخ تظهر لي فقط عبر شاشة الكومبيوتر. لم يعد ثمة حاجة لكتابتها في أيّ مكان. منذ بضعة أيّام، قرّرتُ أن أرسل بطاقةً تذكاريّةً عبر البريد، وفي اليوم التالي تذكّرتُ أنّني لم أكتب تاريخ اليوم عليها. هل ثمّة قيمة للذكرى من دون تاريخ؟ فكّرتُ. الجميع متّفقون أنّ الوقت، منذ عشر سنين أو أكثر، أصبح يمرّ سريعاً بشكلٍ غريب. الألفيّة باتت ماضياً لا نكاد نتذكّره. الحروب الكثيرة التي حدثت، نخطئ أحياناً حين نحاول تذكّر تواريخ حدوثها. أقرباؤنا الذين باغتهم الموت، كم نطرق في التفكير لنتذكّر في أيّ سنة حدث ذلك. التواريخ تظهر لي على الشاشة كلّ يوم. تؤرّخ رسالتي الإلكترونيّة من دون أيّ جهدٍ منّي. تظهر لي روزنامة بكبسةٍ واحدة، دون حاجتي لأن أسأل أحداً. التواريخ تظهر لي على الشاشة، غريبة عن يدي. يدي نفسها التي كان عليها كلّ 
صباح أن تدرك تاريخ اليوم لتخطّه في أعلى صفحة الدفتر المدرسيّ.


*** 

المدينة الصغيرة

أعرف ما تشعرين. ذلك الحزن. ذلك الثقل في قلبك بعد كلّ وداع. هم يأتون ويرحلون مجدّداً. يصنعون لك الذكريات التي سترافقك في المدينة بعد رحيلهم. ولأنّ المدينة صغيرة جدّاً، تتراكم الذكريات في الأماكن نفسها عاماً بعد عام. تتراكم الوجوه. أعرف ما تشعرين. تلك الكآبة. أفهمها جيّداً. هم يرحلون وتبقى لك الصور الفوتوغرافيّة لتؤكّد أنّهم كانوا. تحزنين. أعرف. لكن عليك أن تنصتي جيّداً. في الليل خصوصاً. للضحكات صدىً لا يخفت. حدّقي جيّداً. الإبتسامات في الصور ليست رهينة اللحظة كما تعتقدين. 
هم أيضاً يحزنون حين يبحرون بعيداً.
هم أيضاً يحزنون. 


*** 

سمير نصّار

حين متّ، كنت في الخامسة من عمري. 
لم أكن أعرف الموت حينها، لكنّي استنتجتُ، ممّا يدور حولي، أنّنا لن نراك مرّة ثانية. لم أكن أفهم البكاء، لكنّي حين رأيت أمّي تبكي، بكيت. 
الجميع كان متّشحاً بالسواد. القرآن كان يأتي عالياً من المسجّل. نحن الأطفال، الذين لم يتسنّ لنا الوقت لندرك من الحياة ما يكفي، كنّا مذهولين بهذا التغيير المفاجئ في روتين الحياة. هذا الحشد من الناس. هذه القبل والعناقات والدموع.
بعد ذلك، مرّت الأيّام. السواد بدأ يبهت تدريجاً. القرآن لم يعد يأتي عالياً من المسجّل. الجميع باتوا يبكون أقل من ذي قبل. ونحن الأطفال أخذنا نكبر، كما تودّ لنا الحياة أن نفعل.
أتذكّرك الآن. بعد عشرين عاماً. لا أعرف لماذا. لكنّي أتمنّى أن  تدرك ذلك حيثما أنت.


*** 

كوبنهاغن – أيّار 2012

الدراجات الهوائيّة في كل مكان. طيورٌ تشبه النوارس تحطّ وتطير في شارعٍ فرعيّ. فتاةٌ شعرها زهريّ اللون. أجراس الكنيسة في الثامنة صباحاً. خمسة عشر عجوزاً يتحلّقون حول طاولةٍ في مطعم. قبلة في الحانة. عناقٌ في الشارع. "أفتقد دمشق"، يقول أنس. الدراجات الهوائيّة في كل مكان. مطرٌ غزيرٌ يهطل فجأةً. "موريتانيا موجودة على خريطة العالم"، يقول الحاج ابرهيم. "كدت لا أعرف بغداد في زيارتي الأخيرة"، تقول دُنى. "أفتقد دمشق"، تقول عواطف. قبلة في الشارع. رقصةٌ في الحانة. "أبيض وأزرق"، يقول الحاج ابرهيم متحدّثاً عن الزيّ الموريتاني. آرام يتحدّث عن السجون في سوريا. "لم أعد أنتمي إلى كوبنهاغن"، يقول أنس. نقاشٌ عن تونس: شمس الدين مع الحكومة، إيناس ضدّ الحكومة، ميّار ذات الثلاثة أشهر تتمتم شيئاً غامضاً عن ذلك. عجوز على دراجة هوائيّة. ماذا سيحدث في مصر، يسأل أحدٌ ما. طفلٌ في عربة تجرّها درّاجة هوائيّة. شارع مليء بمحال الشاورما والكباب. الوجوه رماديّة كما الغيوم، يقول آرام. رياحٌ قويّة تهبّ فجأةً. "حيفا أجمل مدينة في العالم"، أردّد للجميع. نقاشٌ حاد عن سوريا في المقهى. حبٌّ في الحديقة. حبٌّ في القطار. "أم درمان أجمل مكان في العالم"، يقول أنس. أجراس الكنيسة في الثانية بعد الظهر. بجعة في الحديقة. شرطيّة على حصان. فتاة شعرها أزرق اللون. نستمع إلى الموسيقى الموريتانية في منزل دُنى. أتحدّث عن شارع الحمراء. "الشعب يريد إسقاط النظام"، نصرخ في الشارع. مطرٌ غزيرٌ يتوقّف فجأةً. عناقٌ قرب الفندق. الدراجات الهوائيّة في كلّ مكان. مطرٌ خفيفٌ يهطل فجأةً. لو قليل من 

الشمس الآن، أفكّر. أكره الوداع، أقول للجميع. أكره الوداع.



***

دوائر

لا تؤمنين بالمصادفات، بل بأنّ كلّ شيء يحدث لسببٍ ما. لا تؤمنين بعشوائيّة الحياة، بل بأنّ كلّ الأحداث مخطّط لها مسبقاً. تصفين الحياة بدوائر، تصنعها حصاةٌ يرميها الخالق في المياه. تقولين: الخالق، بعد أن يرمي الحصاة، لا شأن له بالدوائر. الدوائر هي الحياة. 
تتكلّمين عن الفرديّة في الموت، تقولين إن اللّه يرسل للإنسان أشخاصاً لينقذوا حياته من موتٍ محتّم.
لكن لماذا لا يرسل أحداً لأولئك الموتى، أقول؟ ولماذا الموت معمّمٌ بهذا الشكل في تلك البلاد؟أمّا أنا، أقول، فأؤمن بالمصادفات، وبأنّ لا شيء يحدث لأيّ سبب. أؤمن بالحظ السيئ، وبعشوائيّة الحياة، وبأنّ لا شيء مخطّطاً له مسبقاً.
الحياة دوائر، أوافق. تكبر ثمّ تكبر حتّى تختفي تماماً. كأنّها لم تكن.
قولي لي إذاً، لماذا يرمي الخالق حصاة في المياه؟ لماذا يصنع الدوائر؟


***

الفضاء

ما أسخفه كوكبنا الصغير مقارنةً بحجم الكون. ما أسخفنا عن بعد بضعة كواكب. كلّ هذا الضّجيج الذي نصنعه لا يصل إلى أولئك الذين ربّما يقطنون هناك. 
هم ربّما يهتمّون بأخبارنا فقط حين يحدث زلزالٌ مدمّر أو هزّة أرضيّة هائلة أو حين يرمي أحدنا قنبلة نوويّة على الآخر. يغيّرون قناة تلفازهم العجيب إلى قناة "الأرض"، يتابعون أخبارنا لبعض الوقت، ثمّ سرعان ما يملّون منّا ويعودون إلى روتين حيواتهم.
أو ربّما لا يعرفون أنّنا موجودون أساساً. 
أو ربّما هم غير موجودين أساساً.
ما أسخفه كوكبنا الصّغير في هذا الفضاء اللانهائيّ. ما أسخفها همومنا الشخصيّة. حروبنا. رغباتنا بالسيطرة. أكاذيبنا. جرائمنا. اختراعاتنا. أحاديثنا. أفكارنا. 
كم نحن وحيدون في هذا الكون. وكم سخفاء.
كلّ هذا الضجيج الممتدّ منذ الأزل، لا يصل إلاّ إلينا.